ابن عربي
52
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
باللّه فيتحسر ويندم ، فيعمد اللّه إلى من هو من أهل النار من العلماء فيخلع عنه ثوب علمه ويكسوه هذا المؤمن ليرقى به في منزلة ذلك العلم من الجنة ، لأنه لكل علم منزلة في الجنان لا ينزل فيها إلا من قام به ذلك العلم ، لأن العلم يطلب منزلته من الجنان ، والعالم الذي كان له هذا العلم هو من أهل النار الذين هم أهلها ، والعلم لا يقوم بنفسه فينزل بنفسه في تلك المنزلة ، فلا بد له من محل يقوم به ، فيخلعه اللّه على هذا المؤمن السعيد الذي لا علم له فيرقى به العلم إلى منزلته ، فما أعظمها من حسرة ، فإن اللّه لا يبقي في الدنيا عند الموت عند أهل النار الذين هم أهلها سوى العلم الذي يليق أن يكون عليه أهل النار ، وما عدا ذلك من العلوم التي لا تصلح أن تكون إلا لأهل الجنة ، يدخل اللّه بها على العالم به في الدنيا أو عند الاحتضار شبهة يخطرها له تزيله عن العلم أو تحيره ، ثم يموت على ذلك ، وكان ذلك في نفس الأمر علما ، فهذا الصنف من العلم هو الذي يخلع على أهل الجنان إذا لم يتقدم لهم علم به في الدنيا ، ويطمع فيه من قد كان علمه من أهل النار فيقام عليه الحجة بأنه مات على شبهة . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 40 ] إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) فهو تعالى الوارث إذا مات من عليها ، فإنه إذا وقعت الفرقة بين المالك والمملوك فهو الوارث لهما ، فقال تعالى « إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها » عينا وحكما ، فأما في العين فقوله « وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ » وعلى الحقيقة ما ورث إلا الوجود الذي يتجلى فيه لمن ظهر من خلقه ، وهو صور الممكنات وأعراضها ، لأن الوارث لا يكون مع وجود الموروث عنه وبقائه ، وإنما يكون بعد انتقاله وعدمه من هذا الموطن ، وهو اتصافه بالعدم ، وليس ذلك إلا للصور والأعراض ، فهو وارث على الدوام . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 41 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) [ صفة الصدّيق ] من صفة الصدّيق : سلامة العقل والفكر الصحيح والخيال الصحيح والإيمان بصدق المخبر وإن أحاله العقل الذي ليس بسليم ، والنبي صديق لما يخبر به الروح .